الجمعيات الثقافية الفنية: المشاكل والصعوبات والحلول من خلال تجربة جمعية أشرعة للفنون والإبداع نموذجا

Publié le par Mohamed Chikhaoui

يعتبر النشاط الجمعياتي من النّشاطات الإجتماعية بل والحياتية الهامة، فهو يساهم بقدر كبير في تكوين شخصية الفرد ودعم روح المواطنة وتطوير ثقافة البناء والعطاء. فالعمل ضمن جمعيات المجتمع المدني ينمي القدرة على التواصل ويحفز الناشطين على الإرتقاء بالقيم وبالمبادئ الإنسانية والسمو بها نحو تأسيس مجتمع مدني واع وسليم أساسه التواصل والتلاقح وتبادل الأفكار الخلاّقة والثقافات المتنوعة. إن الجمعية الثقافية هي الأرضية الخصبة والفضاء الملائم لإنجاز مشاريع وتطبيق أفكار ورؤى ذات بال. تقوم الجمعيات الثقافية بدور تأطيري وتوعوي وتحسيسي هام، حيث تسمو بالفرد نحو بلوغ مستوى تحمل المسؤوليات وتكوّن فيه القدرة على توزيع الأدوار وتحديد الأهداف ومن ثم تحقيقها، حيث أن النشاط الجمعياتي باعتباره عملا جماعيا يساعد على صقل القدرة في ترتيب الأولويات والمهام.

توفر الجمعيات الثقافية خاصة فرصة مثالية للالتقاء والتواصل وحقلا معطاء وشاسعا لتبادل الرؤى والآراء حيث أنها تضم المبدعين والمثقفين المتعطشين إلى العطاء والإبداع الفني والساعين إلى التواصل وتبادل المعارف والتجارب والخبرات، فيجد المبدع نفسه بالتالي في إطاره الملائم الذي يوفر له سبلا عديدة وآفاقا متنوعة ومتنفسا لترجمة أفكاره وهواجسه ومشاريعه الإبداعية.

بالرغم من هذه الإيجابيات والمكاسب المتعددة والمتنوعة الذي توفرها الجمعيات الثقافية إلا أن بعض الصعوبات والعراقيل للأسف تعترض سبيل الناشطين سواء من إدارة الجمعية أو من المنخرطين فيها.

وجب التطرق إذا إلى بعض هذه الصعوبات ومن ثم طرحها قصد معالجتها وإيجاد السبل والحلول الممكنة لتجاوزها وخلق المنافذ الملائمة للرقي بالنشاط الجمعياتي وتجاوز هذه العقبات في سبيل الإرتقاء بالمشهد الفني بالخصوص والثقافي ككل. حيث يجب التساؤل عن أهم العراقيل والصعوبات التي تتعرض لها الجمعيات وعن ماهيتها وعن الحلول الممكنة التي يمكن إعتمادها لمعالجة هذه المشاكل من ناحية ولبناء مناخ جمعياتي مثالي ملؤه البناء والإبداع والتواصل من ناحية أخرى وذلك عبر تجربة جمعية أشرعة للفنون والإبداع، وهي جمعية ثقافية فنية تضم مجموعة من التشكيلين الباحثين والأكاديميين في ميدان الفنون التشكيلية.

إن الجمعيات الثقافية تتعرض في مشوارها الإداري والثقافي إلى مشاكل وصعوبات داخلية وخارجية. فالمشاكل الخارجية هي التي لا يمكن معالجتها من داخل الجمعية فهي تتجاوز صلاحيات إدارتها. حيث أن هذه الصعوبات تبدأ بالظهور منذ مرحلة التأسيس، فبغض النظر عن تعقّد الإجراءات  اللازمة لتأسيس الجمعية فإن هذه المرحلة تتخللها العديد من الصعوبات. فلا يمكن تأسيس جمعية  دون وجود رجل قانون يشرف على العملية التأسيسية لضمان سلاسة الإجراءات وشرعية مسار التأسيس، لذلك فعلى سلطة الإشراف محاولة تبسيط الأمور بغية تسهيل الإجراءات وجعلها متاحة للشباب المبدع الذي ليس بالضرورة أن يلمّ بالقوانين التي قد تكون معقدة في بعض الأحيان. فمن الممكن تخصيص إدارة فرعية في دور الثقافة والمركبات الثقافية تعنى بإجراءات التأسيس وتتكفل بدعم النشاطات. فتنظيم النشاطات وتأطيرها يضمن نجاحها وفعاليتها.

إن مشكلة مقر الجمعية هي المعضلة الأزلية  التي تواجه أغلب الجمعيات، فلا أحد يمكنه أن ينكر أهمية المقر بالنسبة للجمعية فبالرغم من أن المركبات الثقافية ودور الثقافة تمنح فرص الاجتماعات داخلها، إلا أن القاعات والفضاءات التي توفرها تعتبر ظرفية فهي ليست دائما شاغرة ومتوفرة في كل الأوقات مما ينجر عن ذلك مثلا تعطيل الإجتماعات واللقاءات بإعتبار أن هذه الفضاءات لها أنشطتها الخاصة فينجر عن ذلك تأجيل هذه الاجتماعات إلى آجال لاحقة. في المقابل نجد أنه في بعض الدول الغربية مثلا تمتلك الجمعيات مقرا خاصا أو مشتركا وتتكفل أحيانا بإدارة أحد دور الثقافة فتوفر بالتالي المادة الثقافية من ناحية وتدير نشاطاتها بأريحية من ناحية أخرى.

إن مقر الجمعية هو عبارة عن رهان استقلاليتها. فالجمعية الثقافية والفنية خصوصا كجمعية أشرعة للفنون والإبداع، والتي تعتبر ذات توجهات تشكيلية فنية بحتة باعتبار أن منخرطيها يتكونون من مجموعة من التشكيلين، تعاني كغيرها من عدم توفر مقر خاص بها. والمعروف أن الممارسة التشكيلية تتطلب ورشات للعمل وتتطلب فضاء عرض وفضاء ترصيف للمواد فالعمل التشكيلي هو عمل ورشاتي بالأساس فاختصاص النّحت مثلا كممارسة تشكيلية مرتبط بالفضاء وبسبب غياب المقر، لم يجد الحضوة التي يستحق وذلك لأنه من الفنون التي تتطلب مساحة مكانية هامة باعتباره فن فضاء بامتياز كما أن ورشة النحت وجب أن تتوفر فيها مواصفات معينة كعلو السقف والأبواب الكبيرة والتهوئة المناسبة وغيرها وهو ما لا يمكن توفيره في دور الثقافة أو في المركبات الثقافية.

يأتي دور السّلط المختصة كوزارة الثقافة أن تسعى  لتوفير الفضاءات والمقرات للجمعيات ونخص بالذكر هنا مقر الحزب الحاكم القديم "التجمع" بولاية صفاقس الذي تم إحراقه ليكون في البداية ملجأ للمتشردين ثم يغلق تماما في انتظار أن يصبح محكمة.  والكل يعلم أن ولاية صفاقس لا تنقصها المحاكم بقدر ما تفتقد إلى دور الثقافة ومقرات للجمعيات، فهذا الفضاء الرحب بإمكانه أن يكون دارا للجمعيات يخضع لإدارة مراقبة من طرف وزارة الثقافة ويقام فيه متحف للفن المعاصر وقاعة للعروض وغيرها من المؤسسات التي تساهم في دعم السياحة بالمنطقة إلى جانب نهوضها بالفكر والثقافة.

تفتقد معظم الجمعيات الثقافية للدّعم المادي ونخص هنا بالذكر الجمعيات الفنية التشكيلية فالعمل الثقافي عموما والتشكيلي خصوصا لا يكتسب صبغة تجارية، فالمداخيل عامة تكون محدودة بالكاد تغطي تكاليف التنقل والاتصالات. فحتى في مرحلة التأسيس فإن الجمعيات لا تتلقى دعما ماديا مما يدفع الأعضاء المؤسسين لأن يدفعوا تكاليف التأسيس من مالهم الخاص. في المقابل يمكن أن تخصص الوزارة منحة شهرية أو ثلاثية للجمعيات وتضاعفها للجمعيات الناشطة التي حركت المشهد الثقافي قصد الحث والتشجيع على الإستثمار في الثقافة علما وأن الجمعيات تتحصل على منحة لا تتجاوز 500 دينار سنويا وهو مبلغ بالكاد يغطي تظاهرة واحدة ، علما وأن هذه المنحة لا تسلم إلا بشقّ الأنفس فهي لا تدفع بصفة آلية وإنما بناء على مطلب من الجمعية إلى السّلط المعنية.

تفتقد معظم الجمعيات وخاصة الثقافية إلى وسيلة نقل فلا شك أن لكل جمعية رسالة وطرحا فكريا معينا تريد أن تبلغه من خلال نشاطها. بالتالي فهي بحاجة لوسائل وآليات لنشر فكرها ولإيصال صوتها. لذلك فإن وسيلة النقل هي ركيزة هامّة للجمعيات ذات الطابع الثقافي خاصة، فكما المكتبات المتنقلة يمكن العمل على خلق جمعيات متنقلة، خاصة وأن معظم الجهات الداخلية المهمشة تعاني من نقص في عدد الجمعيات الثقافية التي تنعدم تماما في بعض الأماكن. إلا  أنه لا يمكن في كل حال من الأحوال أن نطلب لكل جمعية وسائل نقل خاصة بها ولكن لما لا توفر الدولة على سبيل المثال مجموعة من الحافلات لدور الثقافة وتكون مخصصة للجمعيات وحتى للنوادي تتداول عليها كل أسبوع مع إعلام مسبق. فالمناطق الداخلية تزخر بالطاقات الحية والمواهب المغمورة التي لم يتم استقطابها واستغلالها ايجابيا وتوظيفها في صالح الثقافة الوطنية.

هذه لمحة إجمالية عن بعض المشاكل والصعوبات التي تتعرض لها الجمعيات الثقافية خاصة والتي يمكن تجاوزها بآليات ووسائل بسيطة تمكن من الرقي بالواقع الثقافي وتطويره، فصحيح أن الميدان الثقافي يفتقد إلى جانب التمويل إلا أنه يمكن تجاوز هذه المشاكل المادية بالبحث في سبل إمكانيات الدعم الخاص.

في هذا الإطار كونت جمعية أشرعة للفنون والإبداع لجنة للتواصل والاتصال برجال الأعمال كان هدفها بالأساس توعويا. تكفلت هذه اللجنة بدور تحسسي  يستهدف رجال الأعمال والمسؤولين في الإدارات العمومية بدرجة أولى لتبحث معهم عن آلية متكافئة لتمويل ودعم الجمعية مقابل أن تتكفل الجمعية بتأطير العملة والموظفين وأن توعيهم بقيمة الثقافة والفنون علما وأن الوعي  بالجانب الفني هو وعي بالإتقان والنظام. تسعى هذه المجموعة أيضا للاتصال بالبلديات وبالإدارات العمومية بغية تأثيث فضاءاتها باللوحات الفنية والمشاريع التشكيلية وذلك لتزيد من القيمة التفاعلية مع الفنون البصرية من خلال اقتحامها الفضاءات العمومية. فما نلاحظه في جل المستشفيات من تهميش للجانب الفني يجعلنا نتساءل عن سبب إهمال الجانب الفني والبعد الجمالي فيها. فأروقة هذه المستشفيات تفتقد لروح الجمال خاصة وأن الرسوم الجميلة من شأنها أن تخفف عن المريض آلامه أو حتى المرافقين الذين تكون غالبا حالاتهم النفسية متأزمة.

إن المعرقلات والصعوبات الخارجية التي تواجه سير أنشطة الجمعيات يمكن معالجتها على المدى البعيد و ربما القريب بإرساء حلول مناسبة توفق بين الجمعية والسّلط المعنية من مركبات ثقافية ودور الثقافة والشباب والمندوبيات الجهوية للثقافة. إلا أن المعرقلات التي تمثل عائقا حقيقيا يهدد صيرورة النشاط الجمعياتي تتمثل خاصة في مجموعة من الصعوبات الداخلية التي يمكن في حقيقة الأمر معالجتها بإتخاذ التدابير اللازمة من طرف إدارة الجمعية.

ففي ظل واقع العصر المتسارع وحاجيات الفرد المتزايدة يجد المثقف والمبدع نفسه في دوامة من الأعمال المتكررة والمتواترة ولعل هذا الروتين الذي يفرضه واقع الحياة المعاصرة يعتبر من أهم أسباب سقوط المبدع في فخ الفراغ الفكري والإحباط الإبداعي، فشحنة الإبداع والرغبة في الخلق لا تكفي لإنتاج نوعية جيدة من الفنون فهناك عوامل أخرى وجب توفرها و توفيرها للمبدع لضمان جودة العمل الثقافي. 

لا ريب في أن الجمعيات الثقافية تلبي حاجة المبدع إلى إطار إبداعي يعمل في خضمه. إلا أن النشاط الجمعياتي الذي يعتبر نشاطا تطوعيا بالأساس قد يأخد من وقته وحتى من ماله جزءا هاما، لذلك يمكن ملاحظة أن الحماس والإقبال على هذا النشاط يتراجع تدريجيا ليضمحل شيئا فشيئا كي يعود المبدع إلى دائرة السلبية. خاصة وأن الجزء الأكبر من المبدعين والمثقفين لا يملكون الإمكانيات أو الموارد المالية الكافية التي تخوّل لهم هذا النوع من الاستقرار النفسي لغاية التفرغ للإبداع.

يأتي دور إدارة الجمعية لتأطير المنخرطين وللإحاطة بالناشطين ودفعهم للتشبث بنشاطهم وحثهم على مزيد العطاء والإبداع. فقد تكون الأمور في ظاهرها بسيطة ولكنها في جوهرها عميقة ومعبرة.

فمن الحلول التي تأثر إيجابيا في المبدع صاحب الحس المرهف والمزاج الحساس هو خلق حوافز للمبدعين المتميزين يمكن أن تكون حوافز رمزية في شكل شهائد تكريم أو شكر إلا أنها ستكون ذات وقع وصدى على نفسية المبدع وستبعث فيه شحنة من الحماس والرغبة في المواصلة فلا شك أن السعادة الحقيقية تتمثل في النجاح. يمكن أيضا بعث برامج لرحلات استطلاعية واستكشافية لمواقع ذات صبغة فنية أو تاريخية بغية القطع مع الروتين وإدخال البهجة إلى قلوب المبدعين. بذلك يتشبث المبدع بالجمعية ليراها خلاصا من المجتمع الذي يهضم حقه في غالب الأحيان ولا يعطيه ما يستحق من تقدير و يمنحه منفذا من روتين الواقع.

إن تكليف المنخرطين بمهام معينة في الجمعية يجعلهم يتحملون مسؤولية تجاهها ويتورطون في عملية بناء نشاطها وبالتالي يتشبثون بها ويحرصون بدورهم على إنجاح نشاطاتها بإعتبارها امتدادا لأنشطتهم. إذ يكتسب النشاط الجمعياتي الصبغة الجماعية في العمل فهو عمل يعتمد على تقسيم الأدوار وتوزيعها حسب مؤهلات الأعضاء والمنخرطين .

تشكو غالب الجمعيات الثقافية من سوء التنظيم ونقص في التنسيق بين أعضاءها. فمعظم هذه الجمعيات تجد صعوبات جمة في تسيير التظاهرات التي تنظمها، إذ يجد رئيس الجمعية نفسه صحبة الكاتب العام المسؤول الأول والأخير على عملية التنظيم والتنسيق مع الإدارات والدعاية للتظاهرات وهو ما ينعكس سلبا على النشاطات من سوء تنظيم ونقص للدعاية وإلغاء النشطات أحيانا. لذلك وجب اتخاذ التدابير اللازمة خاصة في مرحلة تنظيم التظاهرات ولعل الحل الأمثل يكمن في تتالي الاجتماعات التي تقوم بها الجمعية وتواترها حيث يتم توزيع الأدوار وتقسيم المسؤوليات.

يمكن كذلك تحقيق التواصل بالتنسيق مع الجمعيات التي تحمل نفس التوجه الثقافي والفكري من داخل الوطن أو من خارجه وذلك قصد الإنفتاح على الآخر والتلاقح الثقافي وتبادل الخبرات والتجارب في إطار الحفاظ على ملامح هويتنا. فالقانون الأساسي الذي ينظم الجمعيات يسمح لأكثر من جمعية بأن تكون كتلة تسمى شبكة تساعد في عمل الجمعيات في إطار توحيد الجهود والصفوف نحو خلق جو ملائم للنشاط.

إن العمل الجمعياتي عموما والنشاط الثقافي والفني بالخصوص هو نشاط تطوعي بالأساس. فالناشطون بالجمعيات الثقافية لا يتلقون في الغالب مقابلا ماديا لقاء نشاطهم. حيث أن العمل الفني هو قناعة ذاتية وإيمان بالعطاء لغاية تطوير المجتمعات والسمو بها لدرجات متقدمة من الوعي والرقي الفكري. لذلك وجب التشجيع بل والحث على الإنخراط في جمعيات المجتمع المدني ذات التوجه الثقافي. كما أنه على الإعلام التعريف بالجمعيات الثقافية والتركيز على نشاطاتها ومزيد الإهتمام بها قصد خلق مشهد ثقافي متنوع ونشر الوعي بأهمية الثقافة التي هي معيار تطور الشعوب.

 

 

محمد الشيخاوي

 

 

Publié dans Art Plastique, Culture

Commenter cet article