الإبداع التشكيلي في الفنون الرقمية للفنان نور الدين الهاني

Publié le par Mohamed Chikhaoui

2015 مقال نشر بمجلة " الإمارات الثقافية" العدد 31 بتاريخ مارس

الإبداع التشكيلي في الفنون الرقمية للفنان نور الدين الهاني

الباحث والتشكيلي محمد الشيخاوي

 

  •  

 

من زخم التيارات الفنية المتناثرة والإيديولوجيات الثقافية المتناحرة ينبثق أسلوب فني جديد يبشّر بثورة إبداعية وبصرية تُؤسّس لحاضر فنيّ متنوّع لتبني مستقبلا ثقافي متجدّد. إنها الثورة الرقمية التي اكتسحت واقعنا وعبثت بتفاصيل حياتنا، فصار العديد منّا رهينا لسحر الرقمي وسطوة الديجاتلي .لقد تدخل الحاسوب في أبسط تفاصيل حياتنا اليومية وعبثت الأقراص الليزرية بأوراقنا وسجلاتنا لتحولها إلى معلومات رقمية وهجّن الإنترنيت حياتنا الإجتماعية لدرجة أن الواقع المعيش تداخل مع الحقيقة الإفتراضية في مزيج فريد ومستحدث.

لا يمكن لأحد اليوم أن ينكر الدور الهام للوسائط الرقمية والبرمجيات الحديثة في واقعنا اليومي، فهي تسهل قضاء شؤوننا بدقة وبسلاسة منقطعتي النظير وتمككنا من إجراء متطلبات حياتنا في وقت قياسي ووجيز. فأضفت التكنولوجيات الرقمية والبرامج الإعلامية المتخصصة على واقعنا الراهن طابعا آنيا وأعطت لحاجياتنا صبغة فورية إلى درجة أنه صار من المحال الإستغناء عنها.

يعتبر دور التكنولوجيا الرقمية رياديّا في ميدان الفنون البصرية من ذلك الفنون التشكيلية المعاصرة التي تتبنى الجدّة وتدعو للطرافة. فالفن التشكيلي يصنف ضمن أهم الميادين الفنية التي تواكب الواقع وتلبي نداء متطلبات العصر. إن هذا النوع من الفنون يقوم على ملكة الخلق والإنحياز لكل موقف إبداعي جديد ومعاصر، فلا يمكن أن يقوم الإبداع إلا بالتجديد المتواصل ومواكبة متطلبات العصر وهواجس المعاصرين.

منذ ظهور أولى بوادر التكنولوجيا الرقمية، سارع العديد من الفنانين التشكيليين لمسايرة هذا الركب العلمي، فاستغلوا ببراعة الإمكانيات اللاّمحدودة واللاّمتناهية للذكاء الإصطناعيArtificial Intelligence التي يتمتع بها الحاسوب، ووظفوا هذه القدرات الرقمية الخارقة في خدمة إبداعاتهم الفنية من صور فوتوغرافية ورسومات رقمية وحتى منحوتات فعلية وإفتراضية. فرسخوا بذلك ثقافة فنية جديدة ومسايرة لمتطلبات الرّاهن، أساسها الوسائط التكنولوجية وقوامها الصورة الرقمية.

ظهرت أوّل المحاولات الجدية في مجال الفن الرقمي في منتصف القرن الماضي مع الفنان الأمريكي بنجمين فرانسيس لابوسكي Benjamin Francis Laposky الذي شدته بمحض الصدفة بعض أشكال الترددات على شاشات الرادار. هذه الترددات ذكرته بالأسلوب التجريدي للفنان فاسيلي كاندانسكي Vassily Kandinsky، حيث تميزت هذه الأشكال المرتسمة على الشاشة ببنية دائرية وهيئة حلزونية وكأن يدا خفية وماهرة قد رسمتها بإدراك حسي دقيق ومتناسق. بناء على هذا التصوّر، فكّر الفنان في إستعمال الحاسوب كأداة فنية، نظرا للإمكانية الهائلة التي تتمتع بها هذه الآلة حديثة العهد في ذاك الزمن. فقد لاحظ هذا الفنان دقة هائلة في الرسم إلى درجة تفوق بكثير قدرة الإنسان، فقرر تطوير هذه القدرة وتوظيفها في مجال الفن التشكيلي. قام بنجمين فرانسيس لابوسكي بإنجاز أول محاولة في الفن الرقمي في تاريخ الفنون البصرية من خلال لوحة بعنوان "تردّدات" Oscillons كإسم لمسمى، يصف به التردّدات الضوئية التي تظهر على شاشة الحاسوب معلنا عن انطلاق حقبة جديدة من الفنون وهي الحقبة الرقمية.

بعد سنة 1953، تاريخ إنجاز أول عمل تشكيلي بالحاسوب، تتالت المحاولات الرقمية الفنية وتواصل السعي إلى تطوير وتخصيب هذه النوعية من الأعمال لتستجيب لإرادة الفنانين وتقنيي الصور ومصممي الغرافيك وغيرهم. فغزت البرامج الرقمية المختصة في صناعة ومعالجة الصورة ساحة الفنون الرقمية، وأحدثت برامج على غرار سلسلة الأدوبي والكورال نقلة مركزية في تاريخ الفنون البصرية، واعدة الفنان التشكيلي بمزيد القدرة على الإبداع والتفنّن.

إن التداعيات الحالية لمفاهيم التكنولوجيات الرقمية الحديثة والمعاصرة لقيت صدى هائلا في صفوف مجموعة كبيرة من الفنانين ونخص بالذكر منهم ادموند كوشو Edmond Cauchot وجافري شو Jeffrey Shaw وصوفي لافود Sophie Lavaud. فالتقنيات الرقمية استجابت لطموحاتهم في سبيل كمال وإكتمال أعمالهم الفنية بدقة لا متناهية وسرعة كبيرة بعد أن أنهكهم روتين الريشة والمطرقة والإزميل، ليتحول الحاسوب وبرمجياته الرقمية إلى الأداة والوسيلة لترجمة الأفكار الفنية المبدعة. فأصبح فنان اليوم يقرّ بجدوى المجال الرقمي ويـؤمن بدقة تعبيراته وإمكانية نقل رؤاه وترجمتها بفاعلية كبيرة. يقول المصور الفوتوغرافي جورج آستيمان:" إن الآلة الفوتوغرافية الرقمية ترسم بدقة أكثر من قلم الرصاص كما أنها تمكنني من كم هائل من الصور في حيز زمني وجيز." يضيف الدكتور والفنان التونسي نورالدين الهاني في مقال بعنوان " ريشة في عطلة" مقارنا الفنون الرقمية بفن الرسم: " إذا اعتبرنا أن فن التصوير هو تهيئة لفضاء ثنائي الأبعاد مهما كانت مقاساته أو تقنياته أو محامله فإنه يمكن الإقرار بسهولة أن الصورة الفنية يمكن أن تُنجز إفتراضيّا. يكفي أن نعتبر أن شاشة الحاسوب بمثابة قماشة الرسام وأن نشرع في الرسم عليها بالبرمجيات المخصصة لذلك."

سبق الفنانون الغربيون نظرائهم العرب بعقود في إستثمار هذه التقنيات الحديثة، خاصة في ما يخص توظيفها في مجال الفنون التشكيلية. إلاّ أن البعض من التشكيليين العرب، سرعان ما تدارك الوضع وأحسّ بأهمية مواكبة المعاصرة واللحاق بركب الحداثة، فانساق البعض طواعية في هذا التيار الجديد تاركين بذلك بصمة لامعة في الفسيفساء الفنية العالمية التي أسست تجربة الفن الرقمي. ولعل أهم هؤلاء هو الفنان التونسي نور الدين الهاني، فقد خاض هذا الأخير تجربة تشكيلية فريدة، قوامها الوسائط الرقمية وأساسها التكنولوجيات الحديثة، حيث تبنى موقفا فنيا حداثيا من خلال إهتمامه وتركيزه على الوسائط الرقمية المعاصرة والبرمجيات الإعلامية الحديثة فوظفها في إبداعاته الفنية ليصبح بذلك من أبرز الفنانين العرب الذين تركوا بصمتهم في الممارسة الفنية الرقمية المعاصرة والذين استجابوا لما تشهده المجتمعات العصرية من إيقاع متسارع للثورة المعلوماتية الناتجة عن تطور الوسائل الإتصالية الحديثة.

بدأ نور الدين الهاني مشواره الفني كباحث ورسام خاض تجارب تشكيلية متنوعة وكثيرة، فعرض لوحاته في معارض شخصية كما شارك في معارض جماعية عديدة. ساعدته تجربته المنفتحة على الفنون الغربية من تكوين أكاديمي بفرنسا وإقامة بحي الفنانين بباريس على الإنفتاح والتلاقح مع تجارب فنية معاصرة. فاتسمت لوحاته بالتجريد الغربي المستوحى من التراث التونسي. فهو الفنان الذي لا يهنأ له بال ولا يستقر على تقنية بعينها أو أسلوب بحد ذاته، فمن الرسم الزيتي إنتقل الفنان إلى الرسم الرقمي بعد أن أعطى لريشته عطلة (على حدّ تعبيره)، ومن الرسم الرقمي تحول إلى الفوتوغرافيا الرقمية التي تعتبر هي الأخرى من أهم مجلات إبداعاته ومن أحدث ميادين الإبداع الرقمي.

ركز نور الدين الهاني في ممارسته الفنية على الفن الرقمي فهجر ورشة التصوير الزيتي واستبدلها بالحاسوب. فحاسوب الفنان هو بمثابة ورشة العمل الفني الذي تنبثق منها الرؤية الفنية والمنجز التشكيلي ليصل إلى جميع أصقاع العالم عبر الإنترنيت.

أنجز الفنان في هذا الإطار مجموعة من الرسوم الرقمية، ارتكزت تقنياتها على الوسائط الرقمية وتحديدا برنامج الأدوبي المعروف فوتوشوب. تندرج أعمال نور الدين الهاني في إطار تجريدي غنائي ذو طابع معاصر أساسه التراكيب التجريدية المتماسكة والتباينات اللونية الثرية. تعتبر لوحاته الرقمية امتدادا لمشوار طويل خاضه مع الصورة الزيتية. وظف الفنان في لوحاته البرامج الرقمية المختلفة محافظا على الطابع الشكلي لتراكيبه القديمة وتشبث بدرجات لونية متباينة، تغلب عليها الألوان الحية. فلمسة الريشة، التي تعكس روح الفنان وأحاسيسه، تبدو بارزة بطريقة ملحوظة لتؤكد تشبث هذا الأخير بالفعل الإنشائي التشكيلي.

تتراوح التركيبة التشكيلية في لوحات الفنان نور الدين الهاني الرقمية بين الهندسي المنتظم والمدروس وبين العفوي الآني الذي يترجم قريحة الفنان الإرتجالية، فيرد الشكل في بعض الأحيان مستنسخا وإيقاعيا يغلب عليه التكرار خالقا بذلك حركة وتنوعا بصريا، وفي أحيان أخرى يُستخلص الشكل من اللون ذاته، فيبني اللون وحدة شكلية مغرقة في الفوضى الجميلة والمبدعة. ففي عالم الفنون البصرية للنظام رونق وأناقة وللفوضى سحر وجمال. إلا أن فوضى نور الدين الهاني ليست عبثية بل هي انعكاس لإرادة الفنان وموقف لكسر قيود المقنن والمتعارف عليه بطريقة مدروسة ولبقة. فالفنان يحكم قبضته على اللون وعلى الشكل مطوّعا مواده الإفتراضية لخلق إبداع تجريدي غنائي سلس ولين. يصرّح نور الدين الهاني في هذا السياق: " إنّ التمشي المنطقي والمدروس في منهجيتي التشكيلية لا يحتل مكانة هامة بقدر أهمية المادة والأداة والفعل التشكيلي الإرتجالي"

ينسج الفنان من خلال ألوانه الحية والمتباينة زرابي منمقة متنوعة الأشكال. فهو يستحضر التراث التونسي من خلال الزربية البربرية الموشاة بزخارف مغرقة في الذاكرة الشعبية ويكوّن أشكالا مستوحاة في بعض الأحيان من الفنون العربية الإسلامية، محافظا على بنيتها التكرارية، مخترقا أسسها الهندسية ليبين للمشاهد أنه ليس في إطار تزويقي بل إن التشكيل والإبداع هو الذي يسيطر على الموقف. وموقف الفنان يبدو واضحا: الأخذ من الغير دون التماهي والإندماج فيه وذلك بالمحافظة على الخصوصية التشكيلية التونسية. فخلق من المفردة التشكيلية المتكررة أداة لتكوين فضاء لوحاته ورمزا حضاريا ينير درب هويته وهوية أعماله، فطوّع الوسائط التقنية وحوّلها إلى إمكانات تعبيرية تاركا بصمة متفردة وراسما رؤية ذاتية مميزة.

إن انخراط الفنان التشكيلي نور الدين الهاني في منظومة الفنون الرقمية لم يسقطه في فخ الإحتواء فلم تبق أعماله رهينة التقنية ولم تتقلص أحاسيسه ولم تتغير فكرته إستجابة لما تفرضه الآلة الرقمية المضبوطة، بل سخر التقنية الحديثة ووظفها لترجمة أحاسيسه وأفكاره ورؤيته الإستعادية لكنوز الماضي في الحاضر، فقدم بالتالي نموذجا حيا عن التحول الفعلي من ثقافة الذاكرة إلى ثقافة الإبداع.

يتلاعب نور الدين الهاني بالألوان التي تمنحها له عدّته الرقمية، فيرسم أشكالا ذات طابع تجريدي على غرار لوحة رنين Résonance أو لوحة منعرجات الأزرق Les méandres du Bleu ويحيك أطيافا خيطية لشخوص راقصة رقصة الحياة والخصوبة كما في سلسلة لوحات بعنوان تانيت، وقد استلهم فكرتها من الإرث الحضاري القرطاجني. استدعى الفنان في هذه الصور الآلهة الإغريقية تـانيت وهي رمز أسطوري يمثل آلهة الحياة والخصوبة التي طالما تبرّك بها القرطاجنيون القدامى.

لا تتوقف حدود العمل الرقمي عند مرحلة الإنشاء في الورشة الإفتراضية "الحاسوب"، فلتكتمل ولادة المنجز التشكيلي على الفنان أن يسوّق أعماله إلى متلقّ متطلع إلى الجدة والإبداع ولتنضج تجربة الفنان وجب طبخها فوق نيران النقاد وجمهور الفن حتى يقوم الجدل ويتأجج النقاش وبالجدل تكتمل الرؤية الفنية. يقول الفنان الفرنسي مارسال دي شامب: "إن اللوحة الفنية لا يمكن أن تعيش إلا بفضل المشاهدين"

إن الأعمال الفنية التي تترك لغبار الأقبية ولغياهب الدهاليز، لا يمكن إعتبارها حيّة أو فاعلة في واقعنا الثقافي، فقدرُ العمل الفني هو أن يكون جليّا أمام أعين المشاهد وشرط وجوده وحضوره في الثقافة البصرية رهين لتسليط الضوء عليه من طرف النقاد والجمهور. فالفن ثقافة والثقافة بحاجة لمن يحييها وينعشها حتى لا تصدأ وحتى تكون دائمة الحضور في الواقع الفكري.

وليس هنالك اليوم أفضل وأجدى من الإنترنيت وبحوره الشاسعة وأروقته الإفتراضية الحية والمتشابكة من مواقع إجتماعية ومدونات ومواقع رسمية لعرض الأعمال الفنية وخاصة الرقمية، فقد أحدث الإنترنيت، منذ أن سمحت الولايات المتحدة الأمريكية بتداوله واستعماله التجاري سنة 1992، ثورة نوعية وارتجاجا واضحا في أشكال الفنون وطرق التعامل معها وصيغ نشرها.

وبما أن الفنان نور الدين الهاني يراهن على حظوظ التكنولوجيات الحديثة ويدرك أهميتها في ميدان الفنون البصرية، فقد كان من السبّاقين لإستغلال الإنترنيت وتوظيفه في خدمة ممارسته التشكيلية.

يعتبر الفنان نور الدين الهاني من الفنانين العرب القلائل الذين سارعوا إلى نشر أعمالهم الفنية في الأروقة الإفتراضية. فأمام الهجر شبه الكلي للأروقة الفنية، وجد الفنان نفسه يحس، كغيره من الفنانين، بأنه ليس فاعلا في محيطه وبيئته المباشرة وذلك نظرا لتقلص إمكانية التواصل مع المتلق، فكان لا بد له من بديل يضمن نشر فنّه بصورة فعّالة وقد وجد هذا البديل في بحور الإنترنيت الإفتراضية. فنشر إبداعاته في المدونات المتخصصة في الفنون البصرية ولعل أهم هذه المدونات مدونته الخاصةd’art Palmes التي نشر فيها مجموعة هامة من فنونة الرقمية. كما استغل الموقع الإجتماعي فايس بوك ونشر من خلال صفحته الخاصة فيه كمّا هائلا من الصور الفوتوغرافية الرقمية والرسومات الديجيتالية، معلنا بذلك عن إفتتاح رواقه الخاص في هذا الموقع المخصص بالأساس للتواصل الإجتماعي. فلا شكّ أن الفن هو من أقدم وسائل التواصل وأحدثها على الإطلاق ولعل الفنان وجد طريقته المثلى للتواصل من خلال فنونه الرقمية.

وجد الفنان في المقابل جمهورا واسعا فاعلا ومتفاعلا يحاور ويسأل ويستفسر معبرا عن آراءه بكل حرية، فيجيب الفنان بعفوية وتلقائية مفسرا تمشيه الفني ومنهجيته التشكيلية لكل طالب معلومة.

وفر الإنترنيت إذا بقدراته الهائلة على تخزين ونشر المعلومة، فضاء حواريا وتفاعليا ملائما ومسايرا للعملية التواصلية التي تتكون من عناصرها الثلاث الباث (الفنان) والمتلقي (الجمهور) والمحتوى (المادة الفنية) كما سمح لهذه العملية التواصلية من تجاوز العلاقة الكلاسيكية العمودية إلى بلوغ حوار تفاعلي يبدي فيه الجمهور رأيه بصراحة وينزل فيه الفنان من برجه العاجي إلى جمهوره ليتناقش معهم فيجادلونه ويجادلهم. إن الخصائص اللامادية لهذا الفضاء مكنت رواده من حرية لا متناهية في إبداء الرأي والتعبير عن مواقفهم بدون حواجز مادية. حيث يعتبر نور الدين الهاني الإنترنيت بمثابة: " فضاء رحب يفتح أبواب الحوار وتبادل التجارب الفنية ويمكن من التعرف على ما أفضت إليه رؤى الفنانين في شتى بقاع العالم المفتوح وعلى ما آل إليه تطويعهم لهذه التكنولوجيات الحديثة"[1]

ينهمك نور الدين الهاني اليوم على تكريس مقومات الفكر الحداثي في ميدان الفنون التشكيلية. إذ أن الإهتمامات الفنية المعاصرة لهذا الفنان، سواء من خلال مواكبته لأهم التطورات التشكيلية ولآخر المستجدات الفنية عبر الإنترنيت أو من خلال مشواره البحثي وممارسته الفنية المفتوحة على التجارب المعاصرة، جعلته من أبرز الوجوه الفنية العربية التي اقتحمت دون تردد عالم الفن الرقمي دون الإنسلاخ والإنقياد لإملاءات التقنية الجافة. فبالرغم من انحياز الفنان لكل ماهو جديد وطريف إلا أننا نجد تجربته الفنية متجذرة في الهوية العربية، منغمسة في الأصالة التونسية. كما يحث الفنان الشباب الباحث، والذي يقوم نور الدين الهاني بتأطيره في مرحلة الماجيستير أو الدكتوراه، على الإنخراط في المنظومة المعاصرة للفن الرقمي ويدعوهم لسبر أغوارها وفك رموزها سواء بالبحث النظري والنقد الفني أو بالممارسة التشكيلية للأوجه المختلفة لهذا الفن. حيث بات الفن الرقمي ضرورة أساسية لمواكبة واقع الفن المعاصر. فعلى الفنان المعاصر أن ينفتح على التجارب الفنية الرقمية وأن ينهل من إمكانيات التكنولوجيا التي باتت ركيزة أساسية في الفنون البصرية. فهي التي تثري حقل التواصل بين المبدعين وجماهيرهم وهي التي تمكن الفنان من فرص لا متناهية للخلق والإبداع. يقول الفنان الفرنسي بول دولاروش Paul Delaroche معلنا عن بدء الحقبة الجديدة للفن الرقمي: "منذ اليوم فإنّ الرّسم قد مات".[2] إلا أن موقف دولاروش يبقى طبعا موقفا قابلا للنقاش وللدحض، فللتكنولوجيات المعاصرة جاذبية ورونق خاص ولكن كذلك للفعل اليدوي سحر وجمال لا يدركه إلا من يتحسس بكل ذوق وإحساس جمال الفن ورقة الإبداع ولا يشعر جاذبيته إلا من عاشر المادة وانغمس في ثنايا الإبداع التشكيلي.

 

المراجع

  • نورالدين الهاني، مجلة الحياة الثقافية، وزارة الثقافة والمحافظة على التراث، تونس، العدد 184، جوان 2007
  • Paul DELAROCHE écrit: « A partir d’aujourd’hui la peinture est morte. » Jean Pierre AMAR, la Photographie histoire d’un art

 

 

نورالدين الهاني، صدر بمجلة الحياة الثقافية، وزارة الثقافة والمحافظة على التراث، تونس، العدد 184، جوان 2007.[1]

[2] Paul DELAROCHE écrit: « A partir d’aujourd’hui la peinture est morte. » Jean Pierre AMAR, la Photographie histoire d’un art, p. 46.

 

Publié dans Art Plastique

Commenter cet article